Home / تأملات / حوار يسوع مع نيقوديموس تأمل في إنجيل يوحنا (3: 1 – 16)

حوار يسوع مع نيقوديموس تأمل في إنجيل يوحنا (3: 1 – 16)

 

يكشف لنا يوحنا التلميذ الحبيب في بدايات إنجيله، تحديدا في الفصل الثالث، حوارًا سرّيًّا يجري بين يسوع ونيقوديموس، حيث كان هذا الأخير من جماعة الفريسيين، الذين لم يؤمنوا برسالة المسيح لا بل كانوا يضطهدونه، من خلال مواقفهم وأسئلتهم المحرجة، من وجهة نظرهم، التي كانوا يطرحونها على يسوع؛ إلا أن نيقوديموس كان يبحث عن الحقيقة المطلقة، ومنطقه لا يقبل بالحكم على أحد إن لم يتأكد ويكتشف بنفسه من ذلك الآخر، إذ كان جريئًا ويحب المواجهة.

نقرأ في بداية النص، أن نيقوديموس أتى إلى يسوع ليلًا، ولم يأتِ في النهار، وهنالك بالتأكيد أسباب عدة وراء قيامه بهذا الفعل في ذلك الوقت. وأول هذه الأسباب هو خوف نيقوديموس على منصبه ومكانته عند الناس كمعلّم للشريعة ورئيس لليهود، فهو ينتمي إلى جماعة الفريسيين، كما أشرنا، ومن الصعب عليه أن يعترف جهارًا نهارًا، بأنه يجيء لكي يتتلمذ على يد معلم من الجليل، إذ هو يخاف من نظرة الآخرين إليه. وهذا الأمر ليس بغريبٍ علينا، فنحن في أحيان كثيرة، ومواقف عديدة، نختبر ذلك الخوف من نظرة الناس إلينا، وهذا ما يدفعنا إلى كتم إيماننا وعدم الإفصاح عنه، أو تجنب قول الحقيقة التي ينبغي أن تُقال في أوانها. فمن السهل علينا أن نتكلّم عن أمور العالم، كالأحاديث السياسية أو الاقتصادية أو العلمية، على سبيل المثال، لكننا نحاول أن نتجنّب أي أحاديث ترتبط بالإنجيل.

ثانيًا- الخوف من السرّ، ففي النهار يمكننا أن ننتقل من مكان إلى آخر بأمان وراحة دون أن يعوقنا شيء، ولكن في الليل، لا يمكننا فعل الشيء نفسه، فربما نتعثر أو تصطدم أرجلنا إن حاولنا التحرّك، أي أن الليل يجعلنا مقيّدين وتمنعنا العتمة من التمتع بالمناظر الجميلة. وهكذا في حياتنا الإيمانية، إن لم تكن لنا جُرأة المجازفة والثقة في الرب، سنبقى خائفين من معرفة سره الذي كشفه لنا بواسطة ابنه يسوع، كون معرفة هذا السرّ تتطلب منا الالتزام به والإعلان عنه.

ثالثاً- الخوف من مواجهة الذات، فنيقوديموس في النهار هو عالم شريعة ورئيس لليهود، ولكنه في الليل شخص ضائع، إن صحّ التعبير، وحائر في أمر الحقيقة، من يمتلكها وعند من هي؟ هل هي عندهم في مجمعهم اليهودي وفي كتب التوراة؟ أم عند ذلك الشخص الذي يُدعى يسوع المخلِّص؟ فالمؤمن الحقيقي، لا يستطيع عيش حالة الازدواجية، وأن يكون مع الآخرين في صورة ما ومع ذاته على صورة أخرى، بل يحاول دائماً أن يواجه ذاته ومخاوفه، ليستطيع التغلّب عليها ويعيش شخصيّته الحقيقية الواحدة المُتّزنة.

إن هذا النص الإنجيلي، يدعونا إلى التأمل في شخصية نيقوديموس والحوار الذي جرى بينه وبين يسوع، وإلى عدم التهرّب وإطلاق أحكام مسبقة دون أن نبحث ونستفسر ونرى ونكتشف بأنفسنا. فمسيرة الإيمان تتطلب الانفتاح، وهذا يتم من خلال الروح القدس، الذي يُلهِم الإنسان ويضعه أمام الحقيقة، فيستنير ويمتلئ نعمة ومحبة.

الإكليريكي مدين شامل

About chaldeanseminary