الرئيسية / تأملات / تأمل في انجيل متى6: 5-8

تأمل في انجيل متى6: 5-8

تأمل في انجيل متى6: 5-8

الصوم والصلاة

بالرغم من أن الصيام في الكتاب المقدس يشير دائماً الى الأمتناع عن الطعام، لكن هنالك طرق أخرى للصيام. فأي شيء تمتنع عنه مؤقتاً ليساعدك علي التركيز علي الله، يعتبر صياماً (كورنثوس الأولي 1:7-5). في فترة الصوم هناك كثير من الأعمال يمكن أن يعملها الإنسان لكن أهمها هي الصلاة، الصوم يمكن أن يفسر بأنه الإبتعاد عن ما هو أرضي لكي يقترب الإنسان أكثر من الله، والصلاة، كونها حوار مع الله تساعد إنسان على تحقيق هذا الهدف. في صلوات كنيسة المشرق تفسر الصلاة بأنها “سلاح منيع، وبها نغلب الشيطان”، وبواسطة الصلوات والصوم والصدقات يطلب الإنسان أيضاً الرحمة من الديان العادل، وبواسطتها يستحق الإنسان رحمة الله. فالصلاة في الصوم لها دور أساسي، والصلاة والصوم “يشفيان منكسري القلوب ويداويان أوجاعهم”.

الصلاة في المسيحية هي صلة حقيقية وعلاقة حية وشركة روحية مع الله الآب ومع ابنه يسوع المسيح. فهي ليست فرضاً واجباً يؤديه الإنسان لكي يُرضي الله. لأن الفرض هو واجب مفروض على الإنسان فإذا أدَّاه الإنسان فقد وفّى الفرض حقّه وأكمله. أما الصلة الحقيقية فهي علاقة حية تنبع من قلب الإنسان فتكون صلاته نتيجة هذه العلاقة الصادقة القلبية بين الله والإنسان. لذلك فالفرق كبير بين الصلاة وبين الفرض. فمن يؤدي الصلاة كفرض يؤديها خوفاً من غضب الله واسترضاءً لوجهه فيمتلئ قلب الإنسان بعبودية الخوف من السيد.. أما من يمارس الصلاة، يمارس علاقة قلبية صادقة مع الله خالية من عبودية الخوف كما هو مكتوب “إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا آبا الآب”.

يحذرنا المسيح من صلاة المرائين الذين يحبون أن يظهروا للناس مصلين لذلك يختارون المجامع المزدحمة وزوايا الشوارع -أي تقاطعات الطرق- حيث يشاهدهم أكبر عدد من الناس فيكتسبون كرامة وسمعة عند الناس أنهم أتقياء مصلون لعلّ هذه السمعة الحسنة تفيدهم في أعمالهم وأشغالهم الاجتماعية والمعيشية. يقول لنا المسيح “الحقَّ أقول لكم إنهم قد استوفوا أَجْرَهم.” قال هذا عن الذين يصلون ليظهروا تقواهم للناس. 

أما الصلاة الحقيقية هي عبارة عن عمل الله السري في قلب الإنسان فيصلي الإنسان عبر علاقة خاصة بينه وبين أبيه السماوي. “أما أنت، فإذا صليت فادخل إلى حجرتك وأغلق عليك بابها وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفية، وأبوك الذي يرى في الخفية يجازيك” آ6. يقصد الإنجيلي بـ”حجرتك” على مكان منعزل وبعيد عن الناس والذي يعيش فيه الإنسان، لكي يتقرب إلى الله، ويشدد الإنجيلي على أهمية الصلاة الفردية التي يصليها الإنسان بمفرده. قانون الصلاة إنها تمجيد الله أولاً، والتشفع من أجل الآخرين ثانياً، وآخر الكل لنفسه وما يمكن الإنسان نحو الله كاشفاً قلبه لله. يعلّق المسيح قائلاً “فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانيةً.” فأساس الصلاة المسيحية هو أبوة الله وتبنيه للإنسان الذي يؤمن به “وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه”.

“وحينما تصلون لا تكرروا الكلام باطلاً كالأمم” آ7. الأمم في علاقتهم بآلهتهم الوثنية يمارسون صلوات تعتمد على تكرار الكلام وتغيير أوضاع المصلين أثناء التكرار، ويظنون أنه بكثرة كلامهم ومجهودهم يُستجاب لهم. وهنا يحذرنا المسيح من هذا الأسلوب لأن استجابة الصلاة ليست بكثرة الكلام أو بكيفيته أو بالتعب فيه بأي شكل أو صورة لكن استجابة الصلاة تعتمد أساساً على العلاقة الحية بين الله والإنسان كأب مع أولاده الذين يعرفون إرادة أبيهم ويصلون بحسبها فيستجاب لهم.

الاكليريكي ايلرام اصلان

عن chaldeanseminary