Home / تأملات / صلاة مع الكتاب المقدس

صلاة مع الكتاب المقدس

نظم تلاميذ مرحلة الثالث من اللاهوت صلاة مع الكتاب المقدس (Lectio Divina) وذلك يوم الخميس 16 تشرين الاول 2014. وكان النص المختار للتأمل (متى 21:15-28) والذي هو انجيل الأحد السادس من ايليا حسب السنة الطقسية في الكنيسة الكلدانية، والذي يتحدث عن المرأة الكنعانية.

وتضمن برنامج الصلاة : صلاة استدعاء الروح القدس، قراءة نص الانجيل، قراءة وتأمل شخصي في النص، قراءة النص تاريخيا، تأوين النص، مقاسمة : كيف نرى هذا النص الانجيلي في حياتنا اليوم؟ حيث شارك آباء وتلاميذ المعهد بتأملاتهم التي استقوها من هذا النص، ثم صلاة الختام.

اولا: النقد التاريخي للنص

هذا النص يطرح مشكلة كانت موجودة في الكنيسة الاولى، الا وهي موقف المسيحيين من اصل يهودي مع الوثنيين، فهم لا يتفقون كلهم على ان الخلاص يشمل الوثنين او افكار اخرى كعدم الاختلاط بهم ومجالستهم للطعام ومشاركتهم في العبادة. نلاحظ بصورة واضحة الخصام بين المسيحيين من اصل يهودي والوثنين في اعمال الرسل 1:11-3 حيث يخاصمون بطرس لانه جلس مع الوثنين لتناول الطعام.

من هم الكنعانيون؟ هم احفاد نوح من حام الذي كان له بكر اسمه كنعان والذي ولد صيدون الذي تنسب اليه مدينة صيدا، تك 15:10 .

يرفض سفر التثنية وبشدة التعامل مع الوثنيين المقيمين في كنعان (ارض الميعاد) فيذكر في تث 1:7-4 “واذا ادخلك الرب الهك الى الارض التي أنت داخل اليها لترثها وطرد من امامك امما كثيرة، الحثيين والجرجاشيين والامورين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، سبع امم اكثر واقوى منك واسلمهم الرب الهك بين يديك وضربتهم فحرمهم تحريما ولاتقطع معهم عهد ولا ترأف بهم”. لذا فأن الكنعانين هم كالوثنيين الذين لديهم الهة تسيء الى عبادة يهوه، وقد تجعل اليهودي ينجرف الى عبادة الاصنام معهم، ولهم الهة متعددة ومنها عشتاروت الذي يمنح الحياة.

هناك شي اخر يلفت الانتباه، ففي اية 22 من النص، نلاحظ ان الفعل الذي يشير الى صياح المرأة في اليونانية هو “هيكرازن”، وهو نفس الفعل الذي يُستخدم مع مجنون جرسين والذي كان ممسوسا بروح شريرة (مر 7:5). نفهم من هذا وكأننا نسمع صياح الابنة من فم امها التي يعذبها الشيطان.

اما تعبير “صغار الكلاب” فان يسوع يستخدمه لكي يلطف الكلمة “كلاب” لانها قاسية. فلقب الامم هو كلاب والتي تشبه كلاب البرية خارج البيت، اما الكلاب الصغار فهي التي تعيش داخل المنزل وتحت الموائد. ومن الجدير بالذكر اٌن هذه العادة دخلت مع مجيء الرومان.

واخيرا نلاحظ بانه بعد شفاء ابنة الكنعانية في الاية 32 نجد معجزة تكثير الخبز، بمعنى انه بسبب ايمان المرأة فانها لا تنال فتات الخبز فقط، بل ايضا وليمة، لانها امنت ومقياس الانتماء الى جماعة المسيح هو الايمان. فالوثنيون هم ايضا مشمولين برسالة الخلاص على اساس ايمانهم. اما في الفصل 14 نجد ايضا معجزة تكثير الارغفة والسمكتين والذي هو بمثابة وليمة لليهود وفي اراضي يهودية، اما تكرار الوليمة فهو دلالة على دعوة اليهود والوثنيين للاشتراك بالوليمة المسيحانية الشاملة.

ثانيا: المعنى الروحي للنص

إن موضوع النص الإنجيلي هو “الإيمان”، وبعض سماته الاساسية. فالإيمان هنا يمكن أن نترجمه بكلمة “ثقة”، اي انه ليس مجرد إيمان عقلي، نظري، موضوعه العقيدة، بل الإيمان الوجودي، الذي موضوعه محبة الله وعونه.
فالمرأة الكنعانية، التي تعيش حالة من الضيق والصعوبة، تتجه إلى يسوع واثقة بأنه سيستجيب لها. فإيمانها ثابت، شجاع، متواضع، ويجب على الإيمان أن يكون ثابتاً وصابراً. أنه إيمان لا يوقفه شيء ولا حتى صمت الله: “فما أجابها يسوع بكلمة”.
المرأة الكنعانية هي أمرأة غريبة ووثنية، واستجابة يسوع لها هي بمثابة علامة على شمول الوثنيين بالبشارة. ليس هذا فحسب، بل وأن من الغرباء مَن يمكن ان يكون له إيمان أقوى من إيمان الابناء بحيث يشترك في الوليمة.
إن الحوار بين يسوع والكنعانية يعكس ثقافة شعب معين تجاه باقي الشعوب، اي ثقافة مبنية على طبقية بين الابناء والكلاب. وهذه الثقافة التي كانت سائدة في زمان يسوع. إلا أن إيمان المرأة الكنعانية جعلها تقرأ هذه الصورة او الثقافة بمنطق جديد وبصورة مقلوبة، فهي لا تنكر أولوية الابناء ولكنها بنفس الوقت تنبه الابناء إلى مكانة الآخرين في الخلاص.

 

About admin