Home / تأملات / (لو كنت أشهد لنفسي، لكانت شهادتي باطلة) تأمل في إنجيل يوحنا (٥: ٣١- ٣٨)

(لو كنت أشهد لنفسي، لكانت شهادتي باطلة) تأمل في إنجيل يوحنا (٥: ٣١- ٣٨)

كثيراُ ما نسمع خصوصًا في ساحات المحاكم مصطلحَي: (شاهد إثبات) و(شاهد نفي).. والمقصود بالأول من شاهد بعيْنَيِه الحدث، وهو يثبت وقوعه، وبالتالي بوسعه أن يشهد بذلك أمام المحكمة.. أما الآخر (شاهد النفي)، فينفي وقوع الأمر، ويؤكد بأنه كان حاضرًا في الزمان والمكان المحدَدين، ويشهد أنه لم يشاهد ما يدّعي البعض وقوعه! إذن، (الشهادة) تحتاج إلى (المشاهدة) بأم العين، ولهذا يسمى (شاهد عيان) مَنْ رَأَى الحَدَثَ مُعَايَنَةً ، مُشَاهَدَةً وَيَشْهَدُ بِذَلِكَ، ولا يصح أن يشهد شاهدٌ بما لم يشاهد، مكتفيًا بما سمع بأذنيه من بعض الناس.

  • أنواع الشهود:
  • شاهدُ عِيان: مثل الآباء الرسل، الذين شاهدوا الرب يسوع، فشهدوا عنه، يقول يوحنا البشير: “الذي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ، لِكَي يَكُونَ لَكُمْ أَيْضًا شَرِكَةٌ مَعَنَا” (1يو 3:1).
  • شاهدُ إيمان: كل من يؤمن بما قاله الآباء الرسل في شهاداتهم وكرازتهم، واثقًا في صدقهم، ويدعم ذلك العقل، وتسنده شهادات التاريخ والمخطوطات والآثار.

إن شهادة الإنسان لنفسه لا تصح، وليست مقبولة، بل ومشكوك فيها، إذ يجب أن تكون مدعومة بشهادات لآخرين، وفي عرف القضاء لا تقبل إلا شهادة شخصين على الأقل، وهذا واحد من أهم القوانين في كل مجتمعات المسكونة. (قارن تث 1٧: ٦؛ ١٩: ١٥).

والاعتراض ذاته يتردد في إنجيل يوحنا (8: 13)، هذه المرة على لسان الفريسيين. لكن يسوع يجابهه بدون أن يسلم به. لان وضع الابن فريد. “إني، وإن شهدت لنفسي فشهادتي تصح فأنا أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب”.

إن تجاوب يسوع المسيح مع اليهود وتقديمه لشهود، إنما هو تنازل من قبله لمستوى الإنسان. فهو ابن الله، ولا يمكن أن يتكلم بغير الحق. كان بالتحديد من قال عن نفسه انه الله. لذلك كان ينبغي على الناس ان يطلبوه ويفتشوا عنه باجتهاد. لقد كان يسوع مختلفًا للغاية، كان إلهيًا للغاية، ورغم كونه إلهًا إلا أنه حاول أن يسد احتياجات البشر، فكان لا بد أن يثبت الحقيقة من خلال قوانينهم وشريعتهم مقدمًا شهوداً لإثبات دعواه.

أمام إدعاءات يسوع، طلب منه اليهود أن يسمي شهوده، فقبل يسوع وقدم شهوده، وكان أولهم يوحنا، ولكن يوحنا ليس إلا إنسان ويسوع “لا يعتمد على شهادة إنسان”. لكن هناك آخر يشهد ليسوع، وهو الآب، فالآب يشهد ليسوع من خلال أعمال الابن: “إن الأعمال التي وكل إلي الآب أن أتمها هذه الأعمال التي أعملها هي تشهد لي بأن الآب أرسلني”. فهذه الأعمال هي عطاء الآب للابن (36:5 ،١٧:٤). فرسالة يوحنا كانت لتشهد للحق، هذا الحق الذي تجسد في يسوع المسيح.

  • هناك شهادة أهم وذات ثِقَل أكبر من شهادة يوحنا، وهي الأعمال والمعجزات التي قام بها يسوع، لماذا؟
  • أعمال يسوع أعطيت له من الآب، فيسوع كان يعمل  من أجل ان يعكس حضور وصورة الله، فقد كان ما يعمله من الله ولأجل الله.
  • أعمال يسوع كانت أعمال الآب، فقد كان الآب هو المصدر والمعطي للأعمال التي ينبغي إتمامها.
  • أثبتت أعمال يسوع أن الآب قد أرسله، فهذه الأعمال لم يعملها إنسان قط، ولن يعملها آخرون أبدًا (يو١٥: ٢٤)، إنها أعمال غير معتادة، مليئة بالقوة والحكمة، المحبة والرعاية، المجد والكرامة لله. وبالتالي فكل من رأى ولم يؤمن فهو بلا عذر.
  • كيف يمكننا اليوم أن نشهد للمسيح؟

يمكننا جميعًا أن نقدم شهادة حية وواقعية تشير إلى يسوع من خلال حياتنا الشخصية، حياتنا الاجتماعية وفي أعمالنا أو خدمتنا. إذ يقول إنجيل متى (٥: ١٦) “فليضئ نوركم هكذا قدام الناس ليشاهدوا أعمالكم الصالحة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات”.

فالمسيحي الحقيقي يكون مسيحيًا بالحق في السلوك، المحبة، الخدمة وتقديم النموذج الطيب في كل شيء. هكذا فقط، يمكننا أن نشهد ليسوع ونكون أبناء أبيه السماوي، حينما نسمع كلامه ونعمل أعماله الصالحة.

الإكليريكي هاني خميس جرجس

About chaldeanseminary